يدور الآن في مصر نقاش عارم حول: هل يجب صياغة الدستور أولاً؟ أم إجراء الانتخابات البرلمانية أولاً؟، وبصراحة فأنا أجد نفسي غير قادر على فهم هذا السؤال.
فأنا أعتقد أن صياغة الدستور لابد أن تتم من خلال هيئة منتخبة، ولم أجد من دعاة "الدستور أولاً" من يخالف ذلك صراحة، وبالتالي لابد من إجراء انتخابات أولاً لاختيار تلك الهيئة التي ستعد الدستور، فما الفارق بين تلك الانتخابات وبين انتخاب البرلمان؟ هناك بلا شك فروق في العدد، لكني لا أرى فارقاً سياسياً بين الأمرين.
هل يتخوف أصحاب مطلب "الدستور أولاً" من الصلاحيات التشريعية للبرلمان قبل الانتهاء من إعداد الدستور؟ وهل يرون أن الصلاحيات التشريعية الممنوحة الآن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أقل خطراً؟
لا يضايقني في السؤال أنه خلق حالة من الاستقطاب السياسي، فالاستقطاب والفرز الثوري مطلوبان بشدة، لكن الأسئلة التي يتم طرحها على الساحة السياسية لتحقيق الاستقطاب والفرز الثوري يجب أن تكون أسئلة هامة وفارقة، وأعني بذلك أن اختيار إجابة للسؤال تؤدي لطريق يختلف تماماً عن الطريق الذي تقود له الإجابات الأخرى، المشكلة في موضوع الدستور أولاً أنني لا أرى فروقاً جوهرية بين الإجابتين، بل أرى أن طرح السؤال نفسه قد أدى لحالة من التمييع السياسي أصبح بموجبه المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكماً بين القوى السياسية الشعبية.
هل هذا أمر سيئ؟ لماذا يتخوف بعض المثقفين من قيام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بدور الحكم أو الحارس أو الضامن؟
ارد على تساؤلك هذا بعدة أسئلة:
· أسئلة تاريخية: أي مؤسسة كانت تحكم البلاد في السنوات الستين الماضية؟ وهل كان الحكم في تلك الفترة ديمقراطياً؟ نزيهاً؟ هل حافظت المؤسسة العسكرية الحاكمة على مصالح الشعب في تلك الفترة؟
· أسئلة عن التجارب الأخرى: هل نجح الجيش كضامن للعلمانية في تركيا؟ هل نجح الحكام من أصول عسكرية في تجارب أمريكا اللاتينية (وآخرها فنزويلا)، وهل قام الجيش بضمان مصالح الشعب في تلك البلاد؟
· وسؤال أخير: لماذا يحتاج الشعب المصري إلى ضامن وحام وحكم؟
وأظن أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه الثوريون هو: هل المجلس الأعلى للقوات المسلحة أولاً أم الشعب أولاً؟ والمقصود بالسؤال من صاحب أولوية اتخاذ القرار؟ ومن يجب أن يسيطر على الحكم؟
من الصعب أن نجيب بأن الشعب أولاً إلا لو فكرنا في الأسئلة التالية: كيف ننظم الشعب كي يسيطر على أمور الدولة؟ كيف نحول قوة الشراذم المتناثرة لحركة ثورية لها أيدي وأرجل؟ كيف يفهم كل مواطن دوره في بناء دولة جديدة؟ وكيف ندير الحوار الحقيقي حول بناء تلك الدولة الجديدة؟ كيف نجعله حواراً يدركه الناس ويثيرهم ويحركهم؟ كيف يحققون في كل خطوة على طريق البناء مكاسب فعلية تضيئ خطواتهم المقبلة على الطريق؟ والإجابة هي ما يسمى "العمل الثوري".
إذن: فالعمل الثوري أولاً.