مصر – مثلها مثل أي
دولة في العالم – تحيط بها "أخطار خارجية". الأخطار الخارجية هي عبارة
عن دول أخرى أو قوى في دول أخرى لها مصالح متعارضة مع "المصالح الوطنية
لمصر".
لتقييم المخاطر
الخارجية لابد أن نبدأ بتحديد واضح للمصالح الوطنية.
لنبدأ بما نقابله من
مقولات تبدو متفقاً عليها:
- وحدة التراب الوطني – أو الوحدة الجغرافية – أو حماية الحدود التاريخية، أياً كانت التسمية. هل هناك خلاف على وجوب الحفاظ على الحدود المصرية كما هي في الخارطة التي تدرس في المدارس؟ .... في الواقع أعتقد أن هناك خلافات لكنها ليست علنية ولا واسعة الانتشار. فدعاة الخلافة الإسلامية مثلاً لا مانع لديهم من أن يؤخذ جزء من مصر ليضم لدولة الخلافة ... مؤقتاً حتى يتم تحرير الباقي من الكفار والمرتدين. كذلك هناك بعض متطرفي النوبيين وبدو سيناء يحلمون بدول مستقلة على جزء من مصر. وربما يكون هناك أحلام مماثلة لدى بعض الأقباط المتطرفين (لكنهم لا يجدون منطقة صالحة جغرافياً لدولة مسيحية).
- حق التنمية المستقلة. اي ضمان عدم الاعتداء الخارجي على مشروعات اقتصادية داخل البلاد. لكن هل يمتد ذلك لضمان عدم التدخل في تقرير مسار التنمية؟ في الواقع تنتمي أغلب المدارس التنموية لمصر لفكر يعتمد التكامل بين مصر وبين دول أخرى. فهل يعترض دعاة "الوحدة العربية الشاملة" على أن يتم تحديد أولويات التنمية في مصر على اساس التكامل العربي؟ وهل يعترض مناصرو الخلافة الإسلامية على أن تتقرر أولويات التنمية على أساس التكامل الإسلامي؟ وهل يعترض دعاة الانتماء المصري الهيليني على التكامل المتوسطي؟ متطرفو الليبرالية (وهم كثر) أكثر وضوحاً، فهم يمدون مقولة "وحدة الاقتصاد العالمي" لحد إلغاء فكرة التنمية المستقلة.... رغم ذلك ينتفض الجميع إن شهدوا تدخلاً علنياً من مؤسسة دولية أو تحالف إقليمي في قرارات التنمية الاقتصادية.
- المصالح الاستراتيجية المصرية، ويقصد بها اساساً نهر النيل والمحيط البحري لمصر: ضمان عدم التعرض للسفن التي تقصد الموانيء المصرية أو قناة السويس، وضمان جريان كميات كافية من المياه في النيل حتى أسوان. وأحياناً يتم استخدام تعبير المصالح الاستراتيجية في إطار نزاعات مع ليبيا أو قبرص على ثروات طبيعية في باطن الأرض أو تحت البحر.
- الخطر الإسرائيلي هو أكثر ما يبدو متفقاً عليه ولو بشكل ضمني. إذ يتفق الجميع – من واقع الخبرة التاريخية القريبة – على أن إسرائيل تستهدف الاستيلاء أو السيطرة على أجزاء من سيناء، كما يتفقون عند حدوث أي إخلال بالمصالح الاستراتيجية في النيل أو البحار على أن وراء ذلك الإخلال تدخلاً أو تآمراً إسرائيلياً. هل هناك دلائل ملموسة على التدخلات الإسرائيلية في قضايا النيل أو البحار؟
هل هناك مقولات أخرى
شائعة تتعلق بالمصالح الوطنية؟
لنسلك مدخلاً آخر
لتحديد المصالح الوطنية والمخاطر عليها بأن نسأل عن النزاعات طويلة الأمد التي
تدخل فيها مصر.
1.
هناك بلا شك الصراع مع إسرائيل. ذلك الصراع لم يكن على
فلسطين إلا في حرب 1948. فحرب 1956 كانت حرباً للسيطرة على قناة السويس، وحرب 1967
كانت توريطاً في الصراع على سوريا، وحرب 1973 كانت لاستعادة سيناء. انتهت تلك
الحروب باضعاف مصر سياسياً وعسكرياً وباتفاق غير مكتوب بخروجها من صراعات المنطقة
العربية ومن أفريقيا، كما انتهت بتخلي مصر عن قطاع غزة الذي عهدت إليها الأمم المتحدة
بإدارته في 1949. هل انتهى بذلك الصراع مع إسرائيل؟
هل يمكن أن نسالم إسرائيل وتسالمنا حقاً؟
لنحول ذلك السؤال لأسئلة أخرى:
أسئلة قيمية (أي تتعلق بالمباديء والقيم): هل من طبيعة
النظام الصهيوني كنظام استيطاني عسكري أن يكون وكيلاً عن القوى الخارجية في
السيطرة على المنطقة؟ هل يمكن أن نتجاهل القضية الفلسطينية أو نعتبر أنفسنا غير
مسئولين عنها؟ هل يحق لمصر التخلي عن مسئوليتها عن قطاع غزة؟
وأسئلة تتعلق بالمصالح: ما مدى احتمالية اعتداء إسرائيل
عسكرياً على مصر في المستقبل القريب (5 – 10 سنوات)؟ أو المتوسط (15 – 30 سنة)؟ ما
تكلفة الإبقاء على قوة عسكرية توازن القوة العسكرية الإسرائيلية؟
2. هناك أيضاً الصراع على
النيل. ذلك الصراع الذي امتد عبر تاريخ الدولة المصرية منذ العصور القديمة، وورثته
عنها الامبراطوريات التي احتلت مصر. فبحكم مركزية النيل في الحياة والاقتصاد
المصري يطمح أي نظام حكم في مصر للسيطرة على منابع النيل، أو على الأقل لضمان عدم
سيطرة قوى معادية على تلك المنابع.
هناك أشكال مختلفة للسيطرة على منابع النيل أو لدرأ
الأخطار عنها. ما هي أكثر تلك الاشكال احتمالاً في العصر الحالي وفي المستقبل
القريب؟ هل تكون القوة العسكرية إحداها؟ وما حدود استخدامها؟ هل تنجح سياسات
التعاون والمشاركة في التنمية كبديل للقوة؟ ماذا عن الحلول البشرية (اي سياسات
الدفع بالمصريين للهجرة للجنوب)؟ هل يمكن تنمية موارد نهر النيل بالاستفادة من
تعدد الروافد حتى نحقق توازناً بين مصادر الخطر؟
3.
الصراع التاريخي الثالث هو الصراع على الصحراء. تاريخياً
اكتفت نظم الحكم في مصر بالتعامل مع الصحراء كمنطقة عازلة. فكان الفراعنة يطلقون
الحملات العسكرية لتأديب البدو وطردهم بعيداً عن وادي النيل ودلتاه، واستمر ذلك
التعامل حتى ترسيم الحدود مع ليبيا والسودان. لكن اكتشاف الثروات البترولية في
ليبيا ومصر أظهر جانباً آخر للصحراء كمصدر للثروة. من ناحية المخاطر فإن وسائل الانتقال العسكرية
المتطورة قد قللت من دور الصحراء كمنطقة عازلة، وذلك كما أثبتت الحروب مع إسرائيل.
هل يمكن درأ الأخطار العسكرية الآتية من الصحراء بالوسائل
التقليدية؟ وهل يجب التعامل مع بدو الصحراء كأعداء أم كمصريين؟ وهل يمكن تعظيم
استغلال ثروات الصحراء لصالح مصر؟ وما دور السكان الأصليين للصحراء من البدو في
تنمية الصحراء؟ كما يجب أيضاً التساؤل عن دور التزايد السريع في سكان المناطق
المحيطة بالصحراء وانتقال النزاعات الإقليمية إلى داخل الصحراء (في مالي والنيجر
وليبيا) في تعظيم المخاطر الآتية منها؟ ويحسن أيضاً التساؤل المستقبلي حول امكان
تحول مصر (ولو جزئياً) لدولة صحراوية؛ أي دولة يعيش قسم معتبر من سكانها في
الصحراء ويستمدون منها سبل عيشهم.
4. بحكم إطلال مصر على بحرين فإن لها اشتباكات في البحرين. الخطر الرئيسي للبحر الأبيض المتوسط هو الخطر البيئي. فشواطيء الدلتا معرضة للتآكل بسرعة، كما أن تلوث البحر والنيل يهدد الصيد.
البحر الأحمر يبدو حالياً أكثر خطراً، فانحلال دولة
الصومال والصراع في اليمن جعل مدخله الجنوبي غير آمن، والنزاع مع السودان على
حلايب وشلاتين قلل من التعاون المصري السوداني في البحر الأحمر. لكن هل يؤثر
الصراع في اليمن والصومال بشكل مباشر على مصر؟ ولماذا لم يظهر هذا التأثير خلال
السنوات الماضية؟ (الصومال في فوضى منذ عقود والقاعدة متمركزة في اليمن منذ 10
سنوات على الأقل). والسؤال الأهم: هل تتطابق المصالح المصرية والسعودية في البحر
الأحمر؟
5. هناك أيضاً صراعات لها
طابع أيديولوجي، مثل الصراع مع الدولة الإسلامية (داعش سابقاً) التي تحارب نظام
الحكم المصري في سيناء وتقتل المصريين في ليبيا. يبدو هذا الصراع موجهاً ضد نظام
الحكم الحالي في مصر (نظام السيسي)، لكن هل له أبعاد أخرى؟ لو تصورنا استمرار
تواجد داعش في الشام وفي ليبيا ووصول قوى الإسلام السياسي للحكم في مصر، فهل يتفق
الطرفان أم سيستمر الصراع؟
أنطر
مثلاً هذا المقال: http://gabhasalafia.com/archives/3653#.VRU60vnQoW8
لابد أيضاً أن نفكر
في التداخل بين تلك الصراعات والمخاطر. فنظام حكم مصري يواجه إسرائيل بقوة سيكون
بالتأكيد أقل تعرضاً لهجمات من قوى الإسلام السياسي المتطرف. وتدعيم التواجد
المصري في الصحراء وتنميتها سيقلل من وزن المخاطر المتعلقة بالنيل ... إلخ.
بعد كل ذلك النقاش عن
المصالح الوطنية ومواطن الخطر، هل يمكننا أن نرتب أولوياتنا في تلك المسائل كلها؟
ما هي المصالح الأكثر أهمية؟ وما هي القوى المعادية الأشد خطراً؟ وما المخاطر
الأكثر حلولاً في الوقت الراهن؟
تقديري الخاص أن أي
إجابة منطمة على الأسئلة المطروحة وأي تقدير عاقل للأولويات سيجعل الصراع في اليمن
في ذيل تلك الأولويات، وسيبرز التدخل المصري في اليمن باعتباره عملاً أرعن لا يعبر
عن رؤية منهجية للمصالح الوطنية.






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق